“أعطني خبزا ومسرحا وأعطيك شعبا مثقفا”، إنه المسرح، غذاء الروح بموازاة غذاء الجسد، هذا ما يؤمن به الأدباء كما تؤمن به المعلمة أريج، التي تطرّز كل يوم نصّاً مسرحيا جديدا وتحيك قصّة إما من وحي الخيال أو من وحي الواقع وحكاياته.

هو المسرح، أو “أبو الفنون” كما شاعت تسميته بين أواسط الغارقين في بحر علوم المسرح، إذ أنه يعدّ أول الفنون وجامعها، وهو المنصّة صغيرة الحجم، كبيرة الأثر وواسعة الأفق والمدى، فالصاعدون إليها كالصاعدين إلى الأفق اللامحدود، يبحرون في الخيال ويرمون عن أفئدتهم كل ذرة خوف أو كره أو تردد.

في عام 1996، أنهت أريج دراستها الثانوية وقررت الالتحاق بركب التعليم الجامعي، فاختارت دراسة الإخراج المسرحي والتلفزيوني في جامعة اليرموك، كان شغفها في هذا المجال كبيرا وواضحا مما أهّلها لتخطي اختبارات القبول النظرية والعملية بنجاح، فعاشت سنين الدراسة الأربع بموفور من الحب والشغف، كان عدد الطلبة في هذا التخصص محدودا، إلا أن العلاقة كانت بينهم أشبه بعلاقة الأشقاء في البيت الواحد مما أهّلهم لتعلم هذا الفن في بيئة تسودها المحبة والسلام.

تخرجت أريج من الجامعة وفي عينيها بريق من الأمل يضيء الدرب أمامها، فهي فتاة في مقتبل العمر تؤمن بدور المسرح في تعديل السلوك وتعزيز القدرات الشخصية وتنمية المهارات الأساسية وتخليص النفس من الضغوطات، وتحلم في تمرير رسالة المسرح من جيل إلى جيل.

لم تتردد أريج عندما حصلت على فرصتها الأولى لتكون معلمة مسرح في إحدى المدراس بمحافظة إربد، كانت هذه الفرصة بمثابة بداية الطريق لتحقيق حلمها وغايتها، فبدأت العمل وسط إيمان تام بأن المسرح أداة فاعلة في بناء الشخصيات وصناعة التغيير ونشر الحب والسلام.

منذ يوم العمل الأول بدأت التخطيط لإيجاد طرق مثلى لاستغلال مسرح المدرسة لتعليم الطالبات الفنون المسرحية، وتحديد نوع العروض التي تحتاجها الطالبات لصقل شخصياتهن، عملت بجد واستخدمت مهاراتها في رسم الماكياج السينمائي وتنسيق الأزياء المسرحية، إلى أن أنتجت فريقا مسرحيا حقيقيا أبطاله فتيات صغيرات.

ترتسم اليوم البسمة بين وجنتي أريج عندما تلحظ العزيمة غير المسبوقة، والثقة التي لم تشهدها من قبل في شخصيات طالباتها اللاتي أصبحن ينتظرن بفارغ الصبر أن تخبرهنّ معلمتهن بأن قصة مسرحية جديدة ستطرق أبوابهن ليؤدين فيها أدوارا تشعرهن بأنهن يقفن أمام الخوف والتردد بكل عزيمة وإصرار، وكأنهن بطلات خارقات، أو فتيات لا تهزمهن التحديات.

تمر السنوات وأريج على عهدها، المسرح في المدرسة لا يراوح مكانه، لكن أحلام الطالبات الواقفات عليه تصعد كل يوم لتعانق أفئدة السماء فيرسمن مع كل عرض مسرحي حلما جديدا بين النجوم، اتسع الأفق أمام أريج حين وقع الاختيار على مدرسة النعيمة الثانوية للبنات في محافظة إربد  لتكون ضمن  المدارس التي يطبق فيها أحد برامج هيئة أجيال السلام، استطاعت أريج  من خلال البرنامج توفير مساحة أكبر للفنون المسرحية للطالبات، ضمن جلسات الرياضة والفن من أجل السلام التي شاركت بها حوالي 50 طالبة أنداك، فبلغ النجاح مبلغه، تغير ملحوظ على شخصيات الطالبات، قوة في الشخصية وحضور قوي وخطابات مقنعة، الفخر بدا واضحا في عيني أريج التي أصبحت بعض طالباتها قائدات رياديات في مجالس الطلبة.

مسرحيات كثر لا تعد ولا تحصى كتبتها وأخرجتها أريج، استطاعت من خلالها كسر الصورة النمطية عن المرأة والمسرح، ومنحت من خلالها فتيات صغيرات مساحات تتعدى حدود المكان، وغرست فيهن قيم الحب والسلام، ولا يزال نور ساطع يضيء مسرح المدرسة كل يوم ليمنح الفتيات أملا وعزيمة وقوة وأحلاما لا تتحقق إلا بنشر الحب والسلام.