في قرية صغيرة إلى الغرب من محافظة المفرق إلى الشمال الشرقي من الأردن، حيث الملجأ الآمن والمستقر لمئات الآلاف ممن أجبروا قسرًا على ترك أوطانهم خلال العقد الماضي[1]، تعيش نورا وفيصل.

تمثل نورا، ذات الـ 19 عامًا من أصل سوري، المصاعب والآلام التي يمر بها كل من أُجبِر على ترك وطنه، بدءًا من رحلة النزوح والطريق المحفوف بالمخاطر، ووصولًا للثقل والعبء النفسي الذي يشعر به كل من تأثر بالنزوح بفعل تغيّر البيئة وصعوبة التأقلم والاندماج في مجتمع غريب عنه. بينما يمثل فيصل، 30 عامًا، من أصل أردني، كاهل التحديات التي يعيشها مجتمعه المستضيف للنازحين من ضغط على الموارد والخدمات والتغيرات الديمغرافية غير المتوقعة.

ورغم التباين في الخلفيات والتحديات وربما الأولويات، إلا أن نورا وفيصل اختارا طريقًا مشتركًا أثّر عليهما إيجابيًا، وساهم في أن يجعل منهما مصدر إلهام وتغيير تحوّلي في مجتمعهما في قرية المنصورة.فلأول مرة يجرّب فيصل دور المتطوع الميسّر، وكذلك نورا.

من خلال مشاركتهما في برنامج رياضتي المنفذ من هيئة أجيال السلام بدعم من مؤسسة اللاجئ الأولمبي، يتفاعل فيصل ونورا مع الأطفال من الخيم العشوائية في القرية، ضمن جلسات يقودانها بكل شغف وحماس. ييسران خلالها أنشطة رياضية مليئة بالحركة والمتعة، لكن الأهم، أنها أنشطة مدروسة ومصممة لتوفير مساحة آمنة قائمة على نهج الرياضة من أجل الحماية والسلام.

خلال مقابلة أجريت معه ومع نورا، يقول فيصل واصفًا تخوّفاته قبل البدء بتنفيذ هذه الجلسات: “في موقع متين 601، وبين الخيم العشوائية في قريتنا، بدأنا بتنفيذ 10 جلسات شارك فيها 20 طفلًا ويافعًا من الذكور والإناث. خلال التدريب المكثّف الذي سبق هذه الجلسات، تعرفتُ على كيفية استخدام الرياضة كأداة للحماية وتعزيز الصحة النفسية، وتجاوز النزاعات، لكنني في الحقيقة، لم أكن أتوقع استجابة كبيرة من الأهالي والأطفال عند التنفيذ في الميدان”.

“لنضمن مشاركة أكبر عدد من أطفال المنطقة، كنا نزور بيوت الأطفال، ونتواصل بشكل مباشر مع أهاليهم. نحدّثهم عن هدف البرنامج، وشكل الأنشطة التي يتضمنها، وكيف سيؤثر على أطفالهم إيجابيًا. ما ساهم في منحنا ثقتهم واطمئنانهم”، تقول نورا.

اتّسمت الأنشطة التي يسّرها نورا وفيصل بطابع مميز، حيث تقاربت أعمار المشاركات والمشاركين وتراوحت 10 إلى 15، مما سهّل عليهما تنفيذ أنشطة ناجحة يكاد الأطفال يرفضون تركها بنهاية كل جلسة.

تقول نورا: “بعد أول جلسة، بدا كل شيء أكثر سهولة بالنسبة لي ولفيصل. كان الاندماج رائعًا بين المشاركات والمشاركين، أحبّوا الفكرة كثيرًا، نسألهم عن رأيهم بنهاية كل جلسة، يستمتعون بكل لحظة، ويراسلوننا دائمًا يطلبون منا إعادة الأنشطة من جديد”.

 أما فيصل فكان يشعر بالرضى كلما رأى الفرحة في عيونهم. “أشعر بالسعادة الكبيرة، كلّما رأيتهم يفرغون طاقاتهم بالحركة والرياضة والأنشطة الإيجابية. اليوم، أينما يراني أي من هؤلاء الأطفال في مكان عام، يأتون للسلام عليّ. فخور جدًا بالأثر الذي تركته في نفوسهم”.

في المفرق، إحدى أكثر المناطق تأثرًا بتحديات النزوح في الأردن بسبب قربها مع حدود دول متأثرة بالنزاعات، ووسط مجتمع فتيٍّ أصبح يتسّم بالتنوّع الديمغرافي المتسارع، ويبلغ متوسط عمر سكانه 24 عامًا[2]، يأتي برنامج رياضتي كالجسر الذي يقوّي الترابط ويجعل من التنوّع عاملًا إيجابيًا، مستخدمًا الرياضة كأداة لبناء شباب مستقرّ نفسيًا وقادر على التعامل مع مختلف الظروف، متقارب ومتفاهم، وتسوده قيم السلام.

من خلال البرنامج الممتد لثلاثة أعوام، تعمل أجيال السلام على تدريب مجموعة من المتطوعات والمتطوعين لدى شركاء مراكز مكاني المدعومة من يونيسف، حيث يتعرفون فيه على كيفية توظيف ألعاب كرة الطائرة والسلة والأنشطة الرياضية المتخلفة في تعزيز الصحة النفسية وتقديم الدعم النفسي الاجتماعي للمتأثرين بالنزوح في المجتمعات المستضيفة ومخيمات النازحين. وتعتمد أجيال السلام على النهج التتابعي في تناقل الخبرات، إذ تقدم تدريبات نظرية وعملية للمتطوعين حول أدوات بناء السلام، والذين بدورهم يتوّلون تيسير الجلسات في الميدان لينقلوا خبراتهم ومهاراتهم لغيرهم من الأفراد والمتطوعين في مجتمعاتهم المحلية لتحقيق السلام المستدام

يعلّق فيصل على النهج التدريبي لأجيال السلام، قائلًا: “حين تخرج من هنا، سينتهي دورك كمتلقي، وستكون أنت الحَكَم الأقدر على تقييم الأمور، نظرًا لمعرفتك بمجتمعك وثقافتك المحلية، هذا ما قاله له لنا المدرب أحمد. لم نستكشف فقط مهارات ومعرفة جديدة من خلال التدريب، بل منحنا فريق أجيال السلام الثقة والمساحة لتعديل وتغيير جدول الأنشطة بما نراه ملائمًا وحسب استجابة الأطفال معنا، ما سهّل علينا عملية التيسير، وأسهم في تميّز جلساتنا. أتطلع بتَوْق لإعادة التجربة وللمزيد من الجلسات في المراحل المقبلة”.

تختتم نورا وصف التجربة قائلة: “رياضتي كان له أثر في تغيير شخصيات الكثيرين، وأولهم أنا. كثيرون قالوا لي بأنني لا زلت صغيرة على تجربة التطوّع هذه، لكنني أثبتُ لهم بأن صغر السن لا يعني عدم القدرة على العطاء. بل كان صغر سني، عامل لنجاح البيئة التي وفرناها أنا وفيصل في الميدان مع الأطفال. كنت أفكر بدراسة تخصص القانون، وبعد تجربتي أصبحت أفكر بالتعليم لأنني أحببتُ شعور الإنجاز الكامن في التأثير بالأطفال”.

[1] https://data.unhcr.org/en/situations/syria/location/51

[2] https://jordanencyclopedia.com/v/%D9%83%D9%85-%D9%8A%D8%A8%D9%84%D8%BA-%D8%B9%D8%AF%D8%AF-%D8%B3%D9%83%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%81%D8%B1%D9%82