وليد الحريم، مسؤول أول لتطوير القدرات والبرامج في هيئة أجيال السلام، يشاركنا تجربته عن المرحلة الأولية لبرنامج نوادي جسور التعلّم الذي نفذته أجيال السلام بالشراكة مع يونيسف الأردن، بمشاركة 20 ميسرة وميسرًا من وزارة الشباب ووزارة الريادة والاقتصاد الرقمي، استكمالًا لبرنامج جسور التعلم الذي أطلقته يونيسف الأردن بالشراكة مع وزارة التربية والتعليم.

كتابة: ربى أبو زغد ، مسؤولة اتصال وإعلام أولى في أجيال السلام

  التعلم تجربة لا تقتصر على حدود مدرسة أو حرم جامعي، إنما تمتد على مدار حياة الإنسان. تتبدّل هذه التجربة أو تتطور بتبدّل وتطوّر الأدوات والسياقات من حولنا. ورغم أن ذلك ينطبق علينا جميعًا من مختلف الأعمار، إلا أننا كلما رسّخنا فكرة التعلّم الذاتي والبحث والاستكشاف وطرح الأسئلة منذ عمر صغير، تمكّنا أكثر من استغلال تجربة التعلم الحياتية حتى آخر رمق.

في عام 2020، بلغت نسبة الأطفال الذين لديهم إمكانية وصول للإنترنت في الأردن 84%، وكان ذلك كفيلًا لإحداث تغييرات في الثقافة التعليمية في الأردن[1]، والتقنيات المتاحة للتعلم، والدعم المتاح للطلاب من المدرسة والأسرة على حدّ سواء، إلا أن حالة الطوارئ التي خلّفتها جائحة كورونا، ساهمت بتسريع إحداث تحوّلات في أساليب التعليم المتاحة، ولأول مرة نشأ لدينا في الأردن مفهوم التعلّم عن بُعد أو التعلم المدمج. ومن هنا انطلق برنامج جسور التعلّم، كتجربة أولى بين اليونيسف ووزارة التربية والتعليم، لدعم طلبة المدارس من الصف الأول للتاسع في تطبيق الدروس المتعلمة من المناهج وزيادة المعرفة والمهارات الاستكشافية والبحثية من خلال أنشطة أسبوعية إضافية يشارك فيها الأهالي، والمعلمين، والميسرين المجتمعيين بشكل تطوعي.

حقق البرنامج نجاحًا ملموسًا مع وصوله لما يقرب من نصف مليون طفل وطفلة، أي ما نسبته 61% من الفئات الصفية المستهدفة، حيث تم تنفيذه في أكثر من 70% من المدارس الحكومية حول المملكة، إلا أن اليونيسف في دراسة حالة أشارت أن الفرص أمام هذا البرنامج لا تقتصر فقط على حالة من الاستجابة للطوارئ في المدارس؛ بل هناك إمكانية لنقل هذه التجربة للمراكز المجتمعية والعمل مع العاملين مع الأطفال والشباب في هذه المراكز ليكونوا ميسرين للأنشطة التعلّمية المتاحة على الموقع الإلكتروني لجسور التعلم خارج بيئة المدرسة[2].

يقول وليد: “لا يمكن للميسر أو الأهالي أن يحلّوا محل المعلمين، لكنهم بالتأكيد قادرون على إثراء التجربة التعلّمية خارج المدرسة. الطلبة الذين يواجهون تحديات متعلقة بالاتصال بالإنترنت أو بعدم قدرة دعم أهاليهم لهم، سيجدون من يدعمهم من خلال تيسير أنشطة تعلّمية بصورة وجاهية. في مرحلة تجريبية جديدة استمرت منذ عام 2021 حتى شباط 2024، بدأنا في هيئة أجيال السلام العمل مع فريق يونيسف الأردن لتحديد الجهات والمراكز التي يمكنها دعم تطبيق أنشطة البرنامج وجاهيًا. أطلقنا عليها اسم “نوادي جسور التعلم”؛ لتبدأ بعد ذلك رحلتنا في تحويل هذه الأندية لمساحات آمنة، محفّزة، ومبتكرة، يرتادها الطلبة باختيار منهم”.

اختار فريق أجيال السلام 16 مركزًا شبابيًا من وزارة الشباب، وأربع محطات معرفة تابعة لوزارة الاقتصاد الرقمي والريادة، يمثلهم 20 ميسرة وميسرًا من العاملين مع الشباب واليافعين. “اعتمدنا على سنوات من الخبرة المتراكمة في العمل مع العاملين مع الشباب، حدّدنا فجوات التعلّم، ثم طوّرنا مادة تدريبية تلائم مهارات الميسرين الحالية من ناحية، وتدعم أهداف برنامج جسور التعلّم من ناحية أخرى”. – وليد

لقطات من تدريب الميسرات والميسرين في هيئة أجيال السلام

ضمّت المادة التدريبية التي قدمتها أجيال السلام للميسرين طرق وأدوات التيسير الميداني؛ كيف يمكن لهم أن ييسروا فعاليات وأنشطة ناجحة تشرك الأطفال بفعالية، تحشد الدعم المجتمعي ودعم الأهالي تحديدًا، وبالتالي، تحدث أثرًا وتغييرًا ملموسًا في المجتمعات المحلية. تبني أجيال السلام على الخبرة المتراكمة في اتباع نهج تناقل الخبرات؛ سواءً عبر تدريبات المتطوعين من الشباب، أو تدريبات مهارات التيسير التقنية مع أعضاء الوزارات. وبالتالي، فإن المهارات والمعرفة التي اكتسبها ميسرات وميسرو جسور التعلّم من هذه المادة التدريبية لا تقتصر على برنامج معيّن أو شكل واحد من الأنشطة، فقد أصبحوا قادرين على تطبيقها بشكل مستدام في سياقات ميدانية مختلفة، بما يتناسب مع متطلبات زوّار المراكز والبيئة المحلية لكل مركز.

“من خبرتي الممتدة لعشرة أعوام في العمل الميداني؛ أن تكون ميسّرًا ناجحًا يعني أن تتمكن من إيصال المعلومة التي يحتاجها المشارك أو المشاركة بسلاسة، تنقل له مهاراتك وخبراتك، لينطلق هو في نقلها للآخرين من حوله؛ وهذا بالضبط ما سعينا لتحقيقه من خلال التدريب المكثّف الذي قدمناه للميسّرين. أصبح الميسّر قادرًا على تقييم الاحتياجات والتحديات المحلية والآنيّة، خلال تنفيذ الأنشطة، وبالتالي لديه المهارة لتعديل وتطوير وتصميم الأنشطة في الميدان بما يراه ملائمًا. وأعتقد أن مهارات التيسير لا تقتصر على الأنشطة الميدانية، بل تنعكس إيجابيًا على الحياة الشخصية للميسّر وتعاملاته اليومية مع البيئة المحيطة به”. – وليد

بعد هذا التدريب، انطلق الميسرات والميسرون في رحلة تنفيذ أنشطة نوادي جسور التعلم، كل في منطقته. شملت الأنشطة اجتماعات مع الأهالي لتشجيعهم على إرسال أبنائهم للأندية، والنادي الشتوي والنادي الصيفي في أوقات الإجازات المدرسية، ومشاريع الطلبة، والأنشطة التعلّمية الدورية الهادفة لتحفيز التعلّم الذاتي لدى الطلبة وتعزيز مهاراتهم في مواد الرياضيات، والعلوم، واللغتين العربية والإنجليزية.

لقطات من النوادي الصيفية والشتوية

زار النوادي خلال العامين الماضيين 3,000 طالبة وطالب، شاركوا في الأنشطة المختلفة لجسور التعلّم، بنسبة حضور ازدادت 30% للنوادي بعد تدريب الميسرين.   وفي كل زيارة ميدانية نفذها الفريق كان يتفاعل مع الطلبة ويلاحظ الطاقة الإيجابية لديهم. منهم من أشار بأن “توفر الموارد والأدوات – كأجهزة الكمبيوتر والقرطاسية – يحفّزه على زيارة النادي”، ومنهم من “يتخذّ من الأنشطة – كالنادي الصيفي والشتوي – متنفّسًّا يبعده عن الضغوطات التي يمرّ بها، ويرغب بالمشاركة بالمزيد من هذه البرامج”.

لم تكن التجربة خالية من التحديات بالنسبة للميسرات والميسرين، لذلك قدّم فريقنا الدعم المستمر لهم طوال فترة التنفيذ، وقمنا بـ 60 زيارة ميدانية، وعقدنا سلسلة من اجتماعات الدعم التي وفرت المساحة لهم لمشاركة القصص والتحديات والدروس المستفادة والبحث معًا عن حلول تفيدهم في الميدان.

  رسم توضيحي

  “اليوم، وبعد انتهاء المرحلة الأوليّة لنوادي جسور التعلّم، قد يصعب علينا قياس التغيير الذي أحدثناه بشكل دقيق. كمسؤول عن هذا البرنامج، أشعر بالرضا تجاه ما قدمته للميسرات والميسرين والطلبة، وأتطلع للعمل مع فريق اليونيسف والتعاون معهم في تطوير الأدلة التعليمية والمواد التدريبية، لنوسّع من أثر نوادي جسور التعلم في مراحل مقبلة.” – وليد  

لا شكّ بأن التعلّم هو الأساس لتطوير الفرد والمجتمع؛ فإذا تمكّنا من المساهمة في بناء قادة مستقبليين قادرين على طرح الأسئلة والبحث عن أجوبة واستكشاف الحلول والخيارات، ودرّبنا العاملين معهم من معلمين وميسرين على الممارسات المثلى في الميدان، وساهمنا بتوعية الأهالي بدورهم الداعم لأبنائهم في رحلة تعلّمهم، فهذا بالتأكيد يدعم رسالتنا في بناء مجتمعات تتبنّى قيم السلام والاحترام والتقبّل.

 

                        [1] https://jordantimes.com/news/local/16-students-jordan-lack-internet-access-%E2%80%94%C2%A0report

[2] https://unicef.org/jordan/reports/learning-bridges-impact-study