ما بين غابات عجلون وأشجارها الشامخة، سنديانة لا تتجاوز من العمر ستة وعشرين ربيعا، كرّست نفسها لخدمة عجلون وأهلها، مرام الطوالبة، متطوعة نشطة ضمن عائلة هيئة أجيال السلام، فتاة شديدة الحب والعطاء لمجتمعها، وداعمة لكل قوى الخير والحب والسلام.

تمثّل قصة مرام ومسيرتها في مجال العمل التطوعي أنموذجا حقيقيا للأثر الإيجابي الذي يتركه الشباب الفاعلون في مجال العمل التطوعي في مجتمعاتهم، بدأت قصتها حين كانت في سن الثانية عشر، إذ كانت تعمل على تنظيف دور العبادة وإعطاء الدروس التوعوية وتحفيظ القرآن للأطفال بالمجان، واستمرت على هذا المنوال إلى أن جلست على مقاعد الدراسة الجامعية وبدأت بالانتقال إلى مرحلة جديدة في مجال العمل التطوعي، فأصبحت نشطة مع مجموعة من الطلبة في مجال جمع المساعدات وتوزيعها في كافة محافظات المملكة، ثم التحقت بأسرة أجيال السلام لتكون هذه الخطوة بمثابة المرحلة الثالثة في رحلتها التطوعية، فأصبحت تضع الخطط وتنفذ المبادرات التطوعية برفقة زملاءها في المجال.

بدأت مرام بالعمل بشغف مع برامج أجيال السلام، وبالرغم من محاولات الإقناع المستمرة، لاحظت عزوف سكّان منطقتها عن حضور الجلسات التي تعقدها الهيئة في المراكز الشبابية والمجتمعية في عجلون، ولإيمانها المطلق، بأهمية هذه البرامج ودورها في نشر السلام وتطوير المجتمع، قررت البحث والتقصّي وراء الأسباب التي تحول دون حضور أهالي المنطقة هذه الجلسات.

عرفت مرام أن السبب الرئيس وراء عزوف الأهالي عن الحضور هو عدم وجود مكان آمن يضعون فيه أولادهم في الوقت الذي سيكونون فيه مشغولين في الجلسات الحوارية، وبالرغم من صعوبة تلبية هذا الاحتياج إلا أن مرام عقدت العزم ومضت نحو توفير مساحة آمنة للأطفال.

من خلال التدريبات المتتالية التي خضعت لها مرام مع هيئة أجيال السلام، وعبر جلسات الحوار وكسب التأييد التي لطالما شاركت فيها، اكتسبت مرام خبرة لا يستهان بها في مجال الحوار وكسب التأييد، مما مكّنها وزملاءها من إقناع المسؤولين في منطقتها بتوفير الدعم اللازم لمشروع حديقة صديقة للبيئة، بالقرب من المركز الذي تعقد فيه الجلسات.

 

 

على مدار عام كامل، كانت مرام تواصل العمل والبحث عن مانحين لكل زاوية من زوايا الحديقة، حتى تمكّنت وزملاءها من توفير الأرض والألعاب والمرافق، وجميعها صديقة للبيئة.

كوخ خشبي صغير بطراز ريفي دافئ، ستُجمع على رفوفه كتب وقصص كثيرة للأطفال، ومقاعد مترامية في كل أطراف الحديقة، مصنّعة من إطارات السيارات المعاد تدويرها، ملوّنة بألوان زاهية تجذب الناظر إليها.

ألعاب وكتب وخيارات كثيرة سيجدها الأطفال في بقعة جغرافية صغيرة لم يخطر على بال أحد يوما، أن تتحول من مجرد أرض جرداء إلى مساحة آمنة للأطفال، تمكّن الأهل من ممارسة نشاطات تعزز قيم التسامح والسلام، في مساحات آمنة توفّرها لهم هيئة أجيال السلام.

لا تزال الحديقة قيد الإنشاء، لكنها في مراحلها الأخيرة، إلا أن بهجتها سبقت وقت الافتتاح، ومكانتها في قلوب الأمهات اللاتي سعدن بتلبية حاجتهن أكبر بكثير من مساحتها الجغرافية، سيتوافد الأطفال يوما على هذه الحديقة، وستكون معالمها شاهدة على أن للشباب قوة وإرادة تستطيع صنع المستحيل وقيادة التغيير نحو الأفضل، وإن تطلب ذلك البدء من نقطة الصفر.