غصون: “النساء لديهنّ حرية اختيار مسار حياتهن. أنا عن نفسي أريد أن أصبح كابتن طائرة عندما أكبر!”.

 

في غرفة الفن المزدحمة في مدرسة حليمة السعدية للبنات في الغور، تشارك الأختان قصتهما… نور وغصون، تتشابهان في شكلهما، لكن لكل منهما شخصية متفردة عن الأخرى. نور، هادئة، اكتشفت مع الوقت حبها للفنون، بينما غصون منفتحة اجتماعيًا ومقبلة أكثر على الأنشطة والاختلاط بالآخرين.

بدأت قصة الأختان حين انتقلتا من سوريا إلى الأردن في عام 2016. أخذتهما رحلتهما من سوريا عبر مخيم الزعتري، ثم إلى منطقة غور الأردن. تلك التنقلات المستمرة كان لها أثرها على شخصيتهما. فصعوبة التأقلم وتكوين الصداقات الدائمة أوجد لدى الأختين نوعًا من الخجل الاجتماعي والتردد في الانخراط مع بيئتهما، وتحديدًا نور.

قالت نور: “أثرت الحرب في سوريا على والدينا، فقررا ترك كل شيء والانتقال إلى الأردن. عندما جئنا إلى هنا لأول مرة، أقمنا في مخيم الزعتري. وبعد عدة سنوات، حصل والدي على فرصة عمل، فغادرنا المخيم ونحن نعيش الآن في الغور”.

لم تؤثر التنقلات المستمرة للأختين فقط على علاقاتهما بمحيطهما، بل كانت سببًا في انقطاع المسيرة التعليمية لنور، الأخت الكبرى، التي كان يجب أن تكون الآن في الصف التاسع، ولكنها لا تزال في صفها السابع. وبالرغم عن كل ذلك، لا تزال تتفوق أكاديميًا.

قالت نور: “لقد كنت متفوقة دراسيًا، ولكن اجتماعيًا، لم تكن علاقاتي تسير بالشكل الذي أتمناه”. عندما لاحظ والدها حاجتها للدعم، قرر إلحاق نور في صف شقيقتها الصغرى غصون لمساعدتها على تجاوز الشعور بعدم الراحة وكسر الحواجز مع أقرانها وبيئتها.

أما غصون، فكانت رغبتها القوية في بناء العلاقات والاندماج في مجتمعها الجديد واضحة منذ البداية. تقول: “كنت أشعر برغبة داخلية في التواصل وبناء علاقات إيجابية مع صديقات جدد. ووجدتُ في هذا البرنامج طريقًا مثاليًا برفقة شقيقتي”، مشيرة إلى جلسات الرياضة والفن من أجل السلام التي نفذتها هيئة أجيال السلام بالتعاون مع لجنة الإنقاذ الدولية، وبالشراكة الاستراتيجية مع وزارة الشباب ووزارة التربية والتعليم.

جلسات الرياضة والفن من أجل السلام هي جزء من برنامج “توفير خدمات الحماية المستدامة للاجئين والمجتمعات المستضيفة في الأردن”. يدمج البرنامج نهج الرياضة والفن من أجل السلام الخاص بهيئة أجيال السلام مع نهج الحماية وتمكين النساء والتصدي للعنف القائم على النوع الاجتماعي الذي تقدمه لجنة الإنقاذ الدولية.

Screenshot

قدم البرنامج الدعم لـ 2,040 مشاركة ومشاركًا من السوريين والأردنيين، وخاصة النساء والفتيات في المجتمعات المستضيفة، لتعزيز سلامتهن وتقديم خدمات الحماية، وتعزيز قدرتهن على الوصول للدعم، وتمكينهن من التعامل بمرونة مع مختلف الظروف. وقد حضرت نور وغصون 12 جلسة من هذه الجلسات، واكتسبتا من خلالها مهارات حياتية مهمة، كما وجدتا قواسم مشتركة مع كثير من الفتيات في مجتمعهما.

تقول نور، الشغوفة بالفنون: “أنا فنانة موهوبة وأريد أن يكون لي معرضي الخاص يومًا ما. أؤمن أنني أمتلك ما يؤهلني لأصبح فنانة كبيرة”. ساعدت الجلسات نور على إدراك إمكانياتها وزيادة ثقتها بنفسها. تعلمت أكثر عن استراتيجيات التواصل، مما أتاح لها بناء علاقات إيجابية مع الفتيات في مدرستها ومجتمعها، وخاصة اللواتي يشاركنها الشغف نفسه بالفن. وأضافت: “لطالما رغبت ببناء علاقات اجتماعية، وبفضل المهارات التي اكتسبتها، أصبح لدي الأدوات لبناء علاقات إيجابية في محيطي”.

بينما ترى غصون أنها اكتشفت نواحٍ جديدة وتعلمت مفاهيم قيّمة حول العنف المبني على النوع الاجتماعي. تقول: “كنت أعتقد دائمًا أن العنف يقتصر على العنف الجسدي. لم أكن أعلم أن هناك أنواعًا مختلفة من العنف مثل العنف العاطفي والاقتصادي. أدركتُ أيضًا أننا كفتيات يمكننا اختيار مسار حياتنا بالشكل الذي يناسبنا وتجاوز المعيقات الاجتماعية”. وأنهت حديثها قائلة: “النساء لديهنّ حرية اختيار مسار حياتهن. أنا عن نفسي أريد أن أصبح كابتن طائرة عندما أكبر!”.

من جانبها، أكدت ميسا عنانزة إحدى معلمات الأختين في المدرسة، وإحدى ميسرات أنشطة البرنامج، أنها شهدت تحولًا إيجابيًا في تفاعل نور مع زميلاتها. “نور، التي واجهت تحديات اجتماعية رغم تفوقها الأكاديمي، وجدت شغفها بالفن مجددًا وزادت ثقتها بنفسها. الدعم الموجه والأنشطة المنظمة يمكن أن يكون لها تأثير إيجابي طويل الأمد على اللاجئين من الشابات والشباب، مما يساعدهم على الاندماج في مجتمعات جديدة وتحقيق أحلامهم بثقة وإصرار متجدد”.